الخميس، 3 يوليو 2014

الروح العلمي الجديد عند غاستون باشلار

بقلم : زهير الخويلدي

مقدمة:

الفكر العلمي الجديد
"الفكر العلمي في جوهره يعني انشاء الموضوعية... ومستنداته الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمول... وعلى هذا النحو كتابة التاريخ الحركي للفكر"[1]

لقد تشكلت أزمة العقلانية العلمية المعاصرة من وجود تفاوت بين الفلسفة والعلم ومن هوة بين العقلانية الصورية والعقلانية التجريبية وتباعد منهجي بين منظومة الغايات ومنظومة الوسائل. هذا اللاّانطباق بين الاتجاهين يقف وراءه التشبث بالمطلقات وتضييق مجال التأسيس في عناصر محدودة ومقولبة والارتكاز على أنساق مغلقة والاستناد الى قيم تقليدية ورفض التجديد والتقدم.

لقد تفطن غاستون باشلار( 1884-1962) الى هذه الأزمة التي أصابت المدونة العلمية المعاصرة وتحسس صعوبة تشخيص العلل والتعرف على الأسباب وانتبه الى تعثر محاولات الخروج من هذه المضيقات بالتعويل على اتجاه ابستيمولوجي دون آخر وبالانحياز الى مذهب فكري دون غيره.

بيد أن المجال الذي برزت فيه هذه الأزمة بأكثر وضوح وتجلي هو مجال الحقيقة والمعرفة وعلاقة ذلك بالعقل والتجربة وبالنظرية والتطبيق واتصالها بالتاريخ والمجتمع والخيال واللغة وذلك ناتج عن ضبابية مفهوم الحقيقة وتداخله مع مفاهيم اليقين والبداهة والصدق والصواب والصلاحية والصحة.

من هذه المنطلق يمكن طرح اشكالية الحقيقة في الابستيمولوجيا الباشلاردية من زاوية القيمة المعرفية والاستتباعات العملية والرهان الأنطولوجي والوظائف الاجرائية التقنية التي تؤديها.
فما الحقيقة؟ وماهي شروط امكان تحققها؟ وكيف تكون معرفة الحقيقة ممكنة؟ هل بواسطة العقل أم بالتجربة؟ وهل تعلب الرياضيات دورا مركزيا في ذلك؟ وماهي صلاحية وحدود العقلانية ؟ 
فما علاقة الحقيقة العلمية بتاريخ العلوم؟ وهل يتعلق الأمر بحقيقة واحدة كلية ومطلقة تستوعب جميع التطورات والتحولات أم بعدة حقائق جزئية ونسبية تتغير بتكاثر الثورات والانكسارات؟
" من جهة أخرى، لماذا البحث عن حقيقة أخرى عندما تكون حقيقة الكوجيتو بالمتناول؟ لماذا الاكتفاء بمعرفة ناقصة، غير مباشرة، عندما يكون متوافرا امكان معرفة كاملة أصلا؟ "[2] أليست الحقائق هي مجرد أخطاء وقع تصحيحها ؟ ألا توجد في المعرفة أخطاء أولية بدل حقائق أولية؟ كيف يضحي العمل العلمي بالمعرفة العامية من أجل بلوغ المعرفة العلمية؟ ولماذا ينبغي تجريد الواقع العيني من أجل الارتقاء الى الواقع الموضوعي؟ ألا تقتضي الموضوعية العلمية الفصل بين الذات والموضوع منهجيا وبناء الوعي الابستيمولوجي عن طريق الترييض والنمذجة؟

ما نراهن عليه التخلي عن الحقيقة كمعطى جاهز وتطابق شكلي بين العقل والطبيعة واعتماد الحقيقة كبناء تخيلي ومسار جدلي بين العقل والتجربة ضمن رؤية ابستيمولجية منفتحة ومتطورة.


1-الصياغة الابستيمولوجية للحقيقة:

" العقلانية المعاصرة تلح على ابراز القيم الابستيمولوجية ابرازا يقوم على ادراك مظاهر التجديد التي تميز كل مرحلة علمية وكل نظرية علمية وما تحمله من جديد"[3 ]
لقد كان لغاستون باشلار السبق في بلورة خطاب ابستيمولوجي حول العلم والتشريع للفلسفة بتوظيف المناهج والنتائج العلمية لمصلحتها وذلك بالتساؤل عن شروط امكان المعرفة العلمية وجعل العلم مطية للتفلسف والسعي لتدارك النقائص والثغرات التي تعاني منها الفلسفات التقليدية.
بعد أن كانت الفلسفة لا تلفت الى العلم سوى لتحقيق أغراضها التعرف على هويتها تشكل مع غاستون باشلار خطاب فلسفي نقدي يركز على المنطق الداخلي والخاص بالعلوم ويبحث عن الصعوبات والعوائق الذاتية و يستقرئ ويستنبط الشروط والوسائط الضرورية للتغلب عليها وفتح أروقة وتجهيز أرضية للإبداع والابتكار وذلك برسم خطوط التباين بين المعرفي والايديولوجي.

لم تقتصر الثورة الابستيمولوجية التي أنجزها باشلار في مجال فلسفة العلوم على بيان أن العلم في حالة ندم متواصل ولا يستغني عن كل مقاربة منهجية ترجع به الى الماضي وتعتبره في حالة تجدد مستمر وتاريخ مراجعة للأخطاء وإنما انتبه الى أن بنية العقل في تبدل دائم حسب تطور مواضيعه وأن الحقيقة غادرت دنيا الثبات والجوهرانية والإطلاق وأصبحت متعددة الأبعاد وجزئية ونسبية وتبعا لذلك صارت تتحرك ضمن مجالات الصلاحية ودوائر المواءمة وحقول الانطباق.

لقد ساعد كل من الترييض والصياغة الصورية العلوم على استبدال الحقيقة الصلبة التي لا يمكن تغييرها وتفرض نفسها على كل العقول بالحقيقة الفرضية الاستنتاجية التي يمكن أن تكون صادقة وكاذبة في نفس الوقت وتفقد خصوبتها ونجاعتها في ظل غياب مرجع دلالي ونسق معياري.
والحق" أن أطروحة كتلك التي نتبناها تطرح المعرفة كتطور للفكر وتقبل بوجود تبدلات تشمل وحدة وثبات الأنا أفكر من الطبيعي أن تربك الفيلسوف"[4] . لقد قام باشلار بتفسير التحولات الطارئة على صعيد المعرفة بتفجر ثورات وبكون مسار العلوم هو حركة ديناميكية وتاريخه ليس تقدما متصلا ولا تنضيد لطبقات تراكمية وترسبية بل جدل بين المكبوتات والترسبات وبين العوائق والقطائع الابستيمولوجية واعتراف بأن نقدية العلم وإتيان الذات العارفة للخطأ وتفتح العقل العلمي على ابداعات الفكر والتخيل وانتصار الارتياب على الوثوقية.

ليست الحقيقة العلمية معطى أنطولوجيا قابل للإدراك ولا جوهر ثابت تكتفي الذات بالكشف عنها وإنما صناعة تقنية وابتكار دلالي وإنشاء تخيلي يقوم على المراجعة المستمرة والتثبت التجريبي.
غني عن البيان أن العقل العلمي الجديد عند غاستون باشلار يتأسس على جملة من القواعد ومجموعة من الخصائص المبتكرة هي كالآتي:
- العقلانية التطبيقية تتأسس على علاقة جدلية منفتحة بين الرياضيات والفيزياء.
- العقل ثمرة التطور العلمي ولا توجد بنية ثابتة تحكم جميع أنظمة المعرفة.
- المنهج العلمي يتم خلقه بطريقة جزئية بالانطلاق من العمل العلمي ذاته ولا يوجد منهج كلي وشامل وقابل للتطبيق مع جميع المواضيع.
- الواقعة العلمية تُبنَى بالاعتماد على نموذج رياضي مبتكر ولا توجد واقع بسيطة ومعطاة بشكل جاهز يمكن معاينتها واكتشافها.
- الابستيمولوجيا هي دراسة نقدية لتكون المفاهيم العلمية وطرق اشتغالها وبحث في العمل العلمي من داخله قصد التخلص من العوائق الثقافية والتغلب على المشكلات واستشراف الآفاق المنطقية وتثمين المكاسب من القطائع والثورات.
اذا كان لابلاص قد قام بتعميم مبدأ الحتمية على كافة مجالات المعرفة ونظر إلى حالة العالم الراهنة بوصفها نتيجة لحالته الماضية وسبب لحالته المستقبلية وأرجع جميع الظواهر إلى قوانين عامة وربط التوقع الدقيق بما سيحدث من ظواهر في عالم الطبيعة بالمعرفة التامة لحقيقة الكون فإن غاستون باشلار عن كشف عن المثالية المفرطة التي يتميز بهام بدا الحتمية الكونية وشكك في إلمام العقل العلمي في نفس الصيغة بحركة أخف الذرات وأكبر المجرات وجعل الفكر العلمي يهتم بظواهر مهيكلة وبأنظمة منعزلة وآمن بمبدأ اللاّتعين والحتمية الجزئية والقطاعية والخاصة وتخلي عن إمكانية التوقع بشكل صارم[5 ].

غير أن الابستيمولوجيا الباشلاردية واجهت العديد من الصعوبات وأشكال مختلفة من سوء الفهم وذلك راجع إلى أن " الثقافة العلمية متروكة، وللأسف، لحكم الذين لم يقوموا قط بأدنى جهد لتحصيلها"[6] . فكيف عملت على إدخال مفهوم الخطأ في قلب تجربة الخطأ نفسها؟ وهل الخطأ مفهوم سلبي أم ايجابي في العمل العلمي؟


2- جدل الحقيقة والخطأ في تاريخ العلوم:

" عندما نعود إلى ماض من الأخطاء نعثر على الحقيقة في نوع من الندم والمراجعة الفكريين"[7]

ينبغي التمييز من الناحية الاجرائية بين الابستيمولوجيا وتاريخ العلوم، فالأول هو معرفة فلسفية حول العلم من جهة شروط امكانه وقوى انتاجه وعمل نقدي حول مشروعيته وصلاحيته وتتبع لتشكل المفاهيم ونموها وهجرتها من حقل الى آخر. أما الثاني فهو مجال يعتني بتاريخ النظريات العلمية من جهة ميلادها واستحواذها على قيمة تفسيرية للطبيعة وسقوطها وتحولها الى أخطاء وأوهام. هكذا يشهد تاريخ العلوم جدل خصب ومستمر بين الحقائق والخطاء ويعرف مراجعات وهدم وبناء. لكن ماذا نعني بالحقيقة العلمية؟ وما الفرق بين الحقيقة في العلم وفي الفلسفة؟
التعريف الاسمي للحقيقة هو اتفاق المعرفة مع موضوعها ولكن الحقيقة في معناها الفلسفي هي الذات والماهية والهوية ومطابقة الحكم العقلي للواقع الخارجي والتحقق الوجودي للفكرة الشاملة . بناء على ذلك يمثل لفظ الحقيقي صفة تطلق على الحق وأمر متعلق بالأشياء، وعلى سبيل المثال التفكير الحقيقي هو التفكير الخالص من اللبس والغموض. في هذا السياق يمكن التمييز بين حقيقة صورية (formelle) وهي اتفاق الفكر مع ذاته دون الوقوع في تناقض منطقي وحقيقة مادية وهي اتفاق الفكر مع الطبيعة وتأييد عينات من التجربة لجملة الافتراضات النظرية. 

كما يتميز التصور التقليدي للحقيقة بثلاثة خصائص:

- الحكم المنطوق هو مكان ظهور الحقيقة
- التطابق مع الموضوع هو ماهية الحقيقة
- المنطق هو المعيار الشمولي الكلي للحقيقة [8].

غير أن العقلانية العلمية المعاصرة وبعد حدوث أزمة الأسس في الرياضيات والفيزياء وتشكل نظرية المجموعات ونشأة الهندسات اللاإقليدية وتهدم مبدا الحتمية الصارمة واكتشاف الاحتمال ومبدأ اللاّتعين في الميكروفيزياء واحلال آينشتاين مفهوم النسبية مكان كونية الجاذبية عند نيوتن غيرت كثيرا من مفهوم الحقيقة وجعلته يقترب أكثر من مفهوم الخطأ ويبتعد عن مفهوم التطابق.

أما الخطأ فهو ضد الصواب بحيث يحكم المرء على شيء بأنه باطل في حين أنه حق أو يحكم عليه بأنه حق في حين أنه باطل ويعود ذلك الى سوء تقدير في الحكم ووقوع في الزلل والخلط. كما ارتبط الخطأ بالخطيئة والذنب والإثم من الناحية الأخلاقية ويكون ضديد العمد حينما يصدر الفعل عن قصد في الاحساس أو التصور. في هذا السياق أقر باشلار بأن الحقيقة هي خطا وقع تصحيحه. ويعني أن تاريخ العلوم هو تاريخ مراجعته لأخطائه باستمرار وأن الحقيقة ليست نهائية وثابتة ومطلقة بل متعددة وخاضعة لمنطق الهدم والبناء وجدلية العقل والتجربة ويمكن القيام بتعديلها ان اقتضت ضرورات البحث المنهجي واستقراءات التجربة الفيزيائية والنظرية الرياضية.
" اننا نعرف ضد معرفة سابقة وذلك بتحطيم معارف لم تكن مشيدة على أساس صلب وبتجاوز ما يمثل عقبة تحول دون الفهم"[9] وبعبارة أخرى ان الفكر العلمي يتقدم عبر هدم الفكر اللاّعلمي.

" لقد تعرض تصور الحقيقة لتحول جذري خلال القرون الثلاثة الأخيرة فقد كان القرن19 ما يزال يخضع الى فكرة الحقيقة المطلقة التي يتوصل اليها عندما يلحق الفكر بالواقع ويتطابق معه"[10]. هكذا تميزت نظرية الحقيقة في الابستيمولوجيا المعاصرة بخصائص ثورية غير معهودة في السابق هي قابلية المراجعة والتكذيب والتناسق مع النظرية وقابليتها للصياغة الصورية والأكسمة وكذلك التلاؤم مع التجربة أو الحدث وقابلية التصديق أو التأييد بواسطة المفيد والنافع والصالح. لكن ما الفرق بين العقلانية الكلاسيكية في العلم الحديث والعقلانية النقدية المعاصرة؟


3- معايير العقلانية التطبيقية:


"على العقل أن يطيع العلم ويمتثل له في أكثر أشكاله تطورا وفي سعيه نحو التطوير"[11] 
لقد أدى تطور العلوم في القرن العشرين إلى تصحيح العلاقة بين الفلسفة والعلم والتفريق بين الفلسفة العلمية وفلسفة العلم وتحديد مهمة كل من الفيلسوف ورجل العلم وتعديل مفاهيم الحقيقة والعقل والحتمية واحراز استقلالية العلوم عن الفلسفة وجعل العلوم لا تستبعد الفلسفة وتحل ملها بل تحتاج اليها من أجل فهم آليات اشتغالها وممارسة النقد الابستيمولوجي على ذاته والتطور.
لقد نتج عن التحولات المعاصرة في نظرية التفسير السببي للطبيعة استبعاد جملة التصورات الكلاسيكية للحتمية والعقلانية وبناء فلسفي معاصر للمناهج العلمية ووضع معايير جديدة للعلم. من سمات التطور الذي حصل في المعرفة العلمية حسب غاستون باشلار هو تجاوز الثنائيات الحدية مثل المثالية والتجريبية ونحت مفهوم علائقي تفاعلي بين الزوج المفهومي هو العقلانية التطبيقية التي تحتاج إلى فعل التنظير العقلاني من جهة الرياضيات وتعود إلى التثبت التجريبي من جهة الفيزياء ومختلف العلوم التطبيقية مثل علم الفلك وعلوم الطبيعة وعلوم الأحياء. بيد أن العلاقة بين العقل والتجربة ليس مجرد علاقة توفيقية بل جدلية حيث تراقب التجربة المجهزة شغل العقل وتصححه ويقدم العقل إلى التجربة الإضافة عن طريق الافتراض والاستنتاج ويفتح الآفاق ويوسع حقول العمل ويستشرف دوائر الاختبار واستتباعاته الممكنة ويخطط للمستقبل.
لقد كشفت الصيرورة التاريخية للحقيقة العلمية عن ميلاد روح علمية جديدة وقد ساهم غاستون باشلار في وضع لوحتها المفاهيمية وربطها بالعقلانية التطبيقية والقطيعة الابستيمولوجية وفلسفة الرفض ومبدأ الاحتمال وواجه بها المبادىء التي استندت عليها هندسة إقليدس وفيزياء نيوتن.
لا تكون الفلسفة الجديدة للعلم الا في تضاد مع الديكارتية التي وقعت في التبسيط والتجريد العقلي والشك المصطنع وابتعدت عن التجربة واعتقدت في وجود أفكار فطرية وطبائع بسيطة ومطلقة. ولا تتحقق هذه الابستيمولوجيا الباشلاردية الا بالتخلص من القبلي الذي يهمش التجريبي ولا تتطور إلا حينما تتمكن من صياغة بنية التجربة من أجل إظهار الواقع وإبراز التعاون وتبادل الخدمات والنصائح بين التجربة والفكر حيث يتصل العقلاني بنظيره التجريبي ويثريه في حركة جدلية منفتحة وتطورية. كما أن الحقيقة العلمية هي مؤقتة وتظل محل خصومة متواصلة بين النظريات ولا تستقر وتنضج إلا عند حصول إجماع بين رجال العلم واتحاد بين عمال الحقيقة.

كما أن تقدم المعرفة العلمية لا يحصل إلا عن طريق التغلب على الصعوبات وإحداث قطائع مع الأزمات والدخول في حرب مع المعارف السابقة والقطع مع معطيات الحس والمعرفة العامية.
لا تقدر فلسفة الرفض عند باشلار على إرضاء العلماء والفلاسفة في الآن نفسه إلا إذا كانت منفتحة وقادرة على تجاوز نفسه والشعور بالندم من عملها والقيام بتجديدات متواصلة في المناهج والمقولات والدفع بالعقل إلى تطوير بنيته المعرفية تحت تأثير تطور المعارف والحقائق الجديدة.

هكذا تتصف العقلانية التطبيقية بالانفتاح الفاعل والمرونة في التطبيق والفكر الجدلي مع الواقع وتتكون بالممارسات العلمية الميدانية وتؤمن بالحتميات الجهوية والقدرة على الخلق والإبداع[12] . اللافت للنظر أن المعرفة الموضوعية تقتضي القيام بتحليل نفسي للأساطير والأوهام التي تتسرب إلى رسالة العلم وتختلط بالرؤى والتصورات المقترحة لتفسير الكون ولذلك تنزع العقلانية التطبيقية نحو المادية التجريبية وتكاد تتحول إلى فلسفة وضعية ذات مسحة كانطية.


خاتمة:


"حينما يظهر الفكر في الثقافة العلمية لا يكون البتة شابا. انه هرم جدا لأنه يعاصر أحكامه المسبقة"[13] 

إذا كان أينشتاين يمنح العقل إلى جانب التجربة دورا بارزا في بناء العلم عن طريق الاختراع والتخيل والخلق والافتراض والترييض والأكسمة والصورنة والتجريب والتطبيق والتحقق والبناء المجرد والابتكارات الحرة فإن باشلار يسير في الاتجاه المعاكس ويقر بوجود قطائع وحدوث انكسارات وتفجر ثورات في مسار تاريخ العلوم ويعترف بفضل العلم في تثقيف العقل وتطويره وتعليمه وتدريبه وتمكينه من الاستفادة من أخطائه وتجاوز كبواته وتخطي عوائقه ومكبوتاته.
لا ينتقل العلم من المعرفة العامية الى المعرفة النظرية ومن الواقع العيني إلى الواقع الموضوعي إلا بإحداث قطيعة ابستيمولوجية مع المعطى المباشر والتجربة العفوية وتحطيم الحكم المسبق والأقوال غير العلمية والتوجه نحو المبني وإقامة التجربة المتوازنة وعقلنة الظواهر وحساب الوقائع وتوسيع الحدوس بطريقة جدلية وتشكيل نسق معرفي جديد قادر على استيعاب التناقضات وتفسير الكون وتوسيع دوائر العد وتماسك الحساب ودقة البناء الهندسي لتشمل كلية الواقع. 
" ليس الفكر الواقعي أبدا هو الذي يثير من تلقاء نفسه أزماته الخاصة ، وإنما ينبجس الاندفاع الثوري من ناحية أخرى . انه يولد من مملكة المجرد. ولذا فإنه في المجال الرياضي توجد ينابيع الفكر التجريبي المعاصر"[14] .
هكذا يخضع العقل العلمي لشروط إمكان المعرفة العلمية ويتم الانتقال من التجربة العفوية الى التجربة التقنية وتتغير بنية العقل بتبدل مواضيعه وحقائقه وتبرز للعيان عقلانية تطبيقية تتميز بالانفتاح والتطور وتقوم بجدلنة العلاقة بين العقل والتجربة.مجمل القول أن غاستون باشلار نادى بترتيب المعرفة العلمية حسب مقتضيات العقل العلمي وتأسيس النظريات العلمية على أنقاض المعرفة العامية وحرص على التمييز بين المعقوليات العلمية دون أن يتخلى عن معقولية موحدة لجميع العلوم ودون أن يسقط من حسابه إمكانية بناء علم شمولي يجمع بين الرياضيات والفيزياء. 
كل حقيقة علمية جديدة تولد بالرغم من بداهة التجربة المباشرة والفكر العلمي هو تعديل للمعرفة وتوسيع لأطرها عن طريق محاكمة للماضي التاريخي ، ولكن ألا ينعكس التصور الديناميكي للحقيقة على الإقرار بقدرة العقل العلمي على التحلي بمبدأ الموضوعية العلمية في تفسير الكون؟

الاحالات والهوامش:


[1] غاستون باشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة عادل العوا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، طبعة ثالثة، 1990. ص55.
[2] غاستون باشلار، العقلانية التطبيقية، ترجمة بسام الهاشم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، طبعة أولى، 1984. ص.235.
[3] يفوت ( سالم ) ، فلسفة العلم في العقلانية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت ، لبنان، الطبعة الثانية ، 1989. ص.63.
[4] Bachelard (Gaston), la philosophie du non, Essai D’ une nouvelle esprit scientifique, édition PUF, Paris,1940, p.09.
[5] Bachelard (Gaston), l’activité rationaliste de la physique contemporaine, édition PUF, Paris, 1951, p.217.
[6] غاستون باشلار، العقلانية التطبيقية، مصدر مذكور، ص.189.
[7] Bachelard (Gaston), la formation de l’esprit scientifique , édition Vrin, Paris,1970, p.14.
[8] Heidegger (Martin), l’être et le temps, traduit de l allemand et annoté par Rudolf Boehm et Alphonse de Waelhens, édition Gallimard, Paris, 1964, p.259.
[9] Bachelard (Gaston), la formation de l’esprit scientifique, op.cit, p.14.
[10] Ullmo (Jean), la pensée scientifique moderne , édition Flammarion, Paris, 1969.p.69.
[11] Bachelard (Gaston), la philosophie du non, Essai D’ une nouvelle esprit scientifique ,op.cit. p.144
[12] Bachelard (Gaston), le Rationalisme appliqué, édition PUF, Paris, 1949.
[13] Bachelard (Gaston), la formation de l’esprit scientifique, édition PUF, Paris, 1938 . p.144.
[14] غاستون باشلار، الفكر العلمي الجديد، مصدر مذكور، ص55.

المصادر والمراجع:


باشلار (غاستون) ، الفكر العلمي الجديد، ترجمة عادل العوا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، طبعة ثالثة، 1990.
باشلار (غاستون) ، العقلانية التطبيقية، ترجمة بسام الهاشم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، طبعة أولى، 1984.
يفوت (سالم) ، فلسفة العلم في العقلانية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت ، لبنان، الطبعة الثانية ، 1989.
Bachelard (Gaston), la formation de l’esprit scientifique, édition PUF, Paris, 1938 .
Bachelard (Gaston), la philosophie du non, Essai D’ une nouvelle esprit scientifique, édition PUF, Paris,1940.
Bachelard(Gaston),l’activité rationaliste de la physique contemporaine, édition PUF, Paris, 1951.
Bachelard (Gaston), la formation de l’esprit scientifique , édition Vrin, Paris,1970
Heidegger (Martin), l’être et le temps, traduit de l allemand et annoté par Rudolf Boehm et Alphonse de Waelhens, édition Gallimard, Paris, 1964,
Ullmo (Jean), la pensée scientifique moderne , édition Flammarion, Paris, 1969.



كاتب فلسفي .


إبستومولوجيا باشلار في مواجهة الفلسفة: مزاوي محمد



La philosophie du non
"إن الفيلسوف يطلب ببساطة من العلم أن يمده بأمثلة لإثبات النشاط المتناغم للوظائف الفكرية، ولكنه يعتقد أن بمقدوره دونما حاجة إلى العلم، وقبل العلم، تحليل هذا النشاط المتناغم."
Gaston bachelard «La philosophie du non» Paris 1981 P3 
إن المتمعن في هذا القول لا يمكن إلا أن يلاحظ الطابع النقدي الذي يطبع التفكير الباشلاري، والذي يميز أسلوبه في الكتابة كما في التفكير، والواقع أن القارئ لكتاباته يعي أكثر من غيره، أن باشلار منذ أن شغل كرسي تاريخ و فلسفة العلوم بجامعة السوربون لم يكف فيها يوما عن مهاجمة الفلاسفة ومجادلة المذاهب الفلسفية المختلفة على امتداد عقود طويلة، انصرف اهتمامه فيها إلى تأسيس إبستومولوجيا العلوم المعاصرة.
لقد انصرف اهتمام غاستون باشلار مند وقت مبكر من حياته إلى تأسيس إبستمولوجيا جديدة ومختلفة عن تلك الإبستومولوجيا التي وضعت مع الفيلسوف الاسكتلندي جيمس فريدريك فيريه، 1864-1908 هذا الأخير الذي قسم الفلسفة إلى قسم أنطولوجي وآخر إبستمولوجي.
فمند ديكارت إلى سارتر مرورا بكانط وهيجل وهيوم وبرغسون ووليام جيمس وماخ وبوانكاريه وما يرسون ويغيرهم من أعمدة الفكر الفلسفي الحديث، فإنه لا أحد من هذه المعالم البارزة في تاريخ الفكر الحديث وبخاصة الفكر الفلسفي، أفلت من هذا النقد وهذا الجدال ضد "علم" الفيلسوف، لأن هذا الأخير يظل متمسكا دائما بحلول قديمة لمشاكل علمية جديدة، حيث يتشبث بأفكار مذهب مّا. بل إنه لا يطلب فيه التغيير والتجديد بقدر ما يظل مكتفيا بتكرار إشكالات سابقة وأطروحات ثابتة تجاوزتها هذه الثورات العلمية المعاصرة. 

2- القطيعة كمفهوم مركزي في نقد باشلار للفلاسفة

من هذا المدخل إذن يمكن استحضار مفهوم جديد إنبجس مع الممارسة الباشلارية للمعرفة العلمية، وهنا نتحدث عن مفهوم القطيعة الإبستمولوجية. فماذا يفهم من هذا المفهوم؟
لكن وقبل الإسهاب في الحديث عن القطيعة كما يراها صاحبها (باشلار) ينبغي كمرحلة أولى التميز بين نظرية المعرفة والإبستومولوجيا، إذ أن الأولىla théorie de la connaissance هي عملية تكوّن المعرفة الإنسانية من حيث طبيعتها وقيمتها وحدودها وعلاقاتها بالواقع، وهي بذلك تبرز اتجاهات عقلانية ومادية ومثالية، وفي المقابل نجد الثانية L’épistémologie التي ينحصر موضوعها في دراسة المعرفة العلمية فقط.
وإذا كانت الإجابات التي تقدمها نظرية المعرفة، إجابات تتميز بالإطلاق والعمومية الشاملة. فأن الإبستمولوجية تدرس المعرفة العلمية في وضع محدد تاريخيا من دون أن تنزع نحو إجابات مطلقة. بل ترى الإبستومولوجيا في التعميمات الفلسفية لنظرية المعرفة، عائقا أمام تطور المعرفة العلمية ذلك أن التصورات الزائفة عن المعرفة تؤثر سلبا في مجال المعرفة العلمية وخاصة حين تضع حدود للعلم. إن الإبستومولوجيا ليست استمرارا لنظرية المعرفة في الفلسفة، بل هي تغيير كيفي في النظر إلى علاقة الفلسفة بالعلم وتجاوز التناقض بين نظرية المعرفة والعلم، ليس هذا فحسب بل إن الإبستمولوجية أتت على أنقاض ما كان يعرف بفلسفة العلم، التي تولدت من علاقة الفلسفة بالعلم، وتناولت جملة من الموضوعات أهمها؛ علاقة العلم بالمجتمع وتأثيره في تكون النظرة الفلسفية إلى الطبيعة والكون.
بعد التطرق بخلاصة شديدة إلى هذا التمييز بين نظرية المعرفة والإبستومولوجيا، نتوجه الآن إلى محاولة حل الإشكال المطروح سالفا، وهو حقيقة القطيعة الإبستمولوجية باعتبارها المفهوم الأساس والمميز للفكر الباشلاري دون غيره من المشتغلين بنظرية المعرفة.
لعل المتتبع للفكر الإبستمولوجي يعي أكثر من غيره أن إشكالية المسار الذي تسلكه المعرفة العلمية يعتبر من أهم الإشكالات التي اختلف حولها الإبستمولوجيون والفلاسفة: 
حيث نجد فريق نظر إلى مسار العلم على أنه سيرورة متصلة ومستمرة لا انقطاع فيها ولا انفصال، و يعد إميل ميرسون أهم دعاة هذا الاتجاه، بالإضافة إلى وليون برنشفيك، إذ يرى هذا الاتجاه أن كل المعارف العلمية هي في استمرار وتطور واتصال، حيث أن كل معرفة جديدة هي استمرار للمعرفة العلمية السابقة فتاريخها إذن عبارة عن سلسلة يتولد بعضها من بعض. وما التغيير الذي يحدث في العلم إلا تغيير تدريجي.
الواضح إذن أنه لو صح أن المعرفة العلمية هي استمرار للمعرفة السابقة عنها لصح أن يكون اختراع المصباح الكهربائي إستمرار للمصباح العادي. غير أن الأمر ليس كذلك، إذ يعتبر اختراع المصباح الكهربائي ثمرة معرفة علمية يتم التعبير عنها بصيغ رياضية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المنهج العلمي ذاته لا يقوم على الاستمرارية والاتصالية في التطور العلمي إذ أن كتاب ديكارت "مقال في المنهج" لا ينطوي على أي فائدة تذكر في البحث العلمي المعاصر؛ وإن كنا قد ننعت بالمجازفة؛ كما أن منهج فرنسيس بيكون الاستقرائي لم يعد صالحا في تحصيل المعرفة العلمية بالشكل الذي كان عليه من قبل.
وهناك فريق ثاني أعتبر الأكثر قبولا وانتشارا في فرنسا وأوربا وباقي العالم، وهو الفريق الذي يعتبر المسار الذي تشكله المعرفة العلمية ينبني على القطائع، بحيث أن تاريخ العلم هو تاريخ قطع بين المعارف العلمية البالية والمعارف الجديدة، بمعنى أنه التيار الذي ينفي أن تكون المعرفة العلمية امتداد للمعرفة العامية. بل هي انتقال من التجربة إلى العقلنة ومن الملاحظة المضطربة إلى المعرفة العلمية إن الذي يفصل بين هذين النمطين من المعرفة العلمية (المعرفة العلمية القديمة والمعرفة العلمية المعاصرة) هو القطيعة الإبستمولوجية. تعتبر إذن لغة العلم؛ (لغة متجددة باعتبار العلم هو صياغة دائمة للمفاهيم والمصطلحات) ومناهج العلم؛ عنصران ومعياران أساسيان في حدوت القطيعة الإبستمولوجية. ويبدوا ذلك مثلا؛ في الانتقال من المنهج الاستقرائي إلى المنهج الاستنباطي بعدما أصبح الأول عاجزا عن تحقيق وظيفته، ولكن ينبغي أيضا أن نعلم بأن القطيعة الإبستمولوجية تكون دائما مصحوبة بقطيعة نفسية أو عاطفية شديدة الحضور، ولنأخذ على سبيل المثال ما حصل للشعوب الأوروبية عندما اضطرت هذه الأخيرة قبل أن تعي الحداثة ذاتها مع هيجل، إلى أن تقطع مع كل التقاليد الجامدة في القرن السابع عشر. حيث تزامنت بداية هذه القطيعة مع ديكارت وتوجت بالثورة الفرنسية، كما لعبت الاكتشافات الجغرافية والعلمية والتاريخية أيضا دورا مركزيا في القضاء على التصور القديم للعالم، وولادة التصور الجديد على أنقاضه. 
إنه إذا ما عدنا قبل ظهور المصطلح (قطيعة إبستمولوجية) بثلاثمائة سنة سنجد أن ديكارت مثلا يفصل الفكر العلمي بين فكر سابق عن ديكارت وآخر لاحق عنه، حيث عرف المنطق قطيعة جوهرية مع القياس الأرسطي. كما أن باشلار نفسه نجده يتفق مع ديكارت في القول بضرورة الفصل بين المعرفة المباشرة المتشكلة عن طريق الحواس، والمعرفة العلمية التي تجد ممارستها الحقيقية في المختبر. غير أن الاختلاف بين باشلار وديكارت ظل هو المهيمن على تفكير المفكرين، إذ أن باشلار لم يعتقد يوما بوجود عقل أبدي يتجاوز الزمان والمكان كما كان يظن ذلك ديكارت، حيث أن باشلار لم يعد يستطيع أن يؤمن بوجود أفكار فطرية سابقة على التجربة كما كان يفعل ديكارت ولربما لهذه الأسباب نجد باشلار يدعوا إلى تشكيل إبستمولوجيا غير ديكارتية. فهو يدعوا إلى قطيعة حقيقية مع مثل هذه الأفكار، لأن القطيعة الإبستمولوجية تصبح إجبارية عندما يتجمد التراث السابق ويصبح مهيمنا فقط على طريق القوة والهيبة والعطالة الذاتية. 
ونتيجة لكل هذا، نجد غاستون باشلار يثور بشكل جريء على فلاسفة عصره ويتهمهم بالمثالية والتجريدية المنقطعة عن حركة العلم ونبض الواقع، لذلك نجده يدعوا في كتابه «la philosophie du non» إلى تشكيل فلسفة النفي والرفض، أي الفلسفة التي تقاوم وترفض الوضع كما هو عليه وتسعى إلى كشف الجديد، إنها فلسفة النفي، لكنه نفي إيجابي وليس سلبي لأن فلسفة الإذعان والقبول لا تستطيع تحريك الأشياء ولا تؤدي إلى التقدم كما دعا أيضا إلى عقلانية تطبيقية تجد حقيقتها في المختبر، إذ تستمد من البحث العلمي والتجريبي القائم على المشاهدة والفرضيات والتجارب، ثم النتائج وليست العقلانية الفلسفية الغريبة المتعالية والمثالية.
إن الفيلسوف في نظر باشلار لا يراعي تطور العلم، باعتباره يعرف طفرات وثورات سريعة في القرن العشرين، مقارنة مع القرون السابقة. إذ أن العلم في كل فقرة من فقراته يتطلب فلسفة جديدة وكل فيلسوف لا يأخذ ذلك التطور العلمي بعين الاعتبار يحكم على نفسه بالعطالة.
وعموما فأنه إذا ما اعتمدنا على قراءات أبرز تلاميذ باشلار وهو جورش كانغليم سنجد أن إبستمولوجيته تبدو وتنجلي من خلال المبادئ الأساسية الثلاث: 
1- الأولوية النظرية للخطأ بحيث نجد باشلار في هذا المبدأ قريبا إلى نظرة فريدريك نتشه للعلم إذ يقول "إن المعرفة العلمية هي أخطاء تبث نفعها في معركة الصراع من أجل البقاء" (العلم المرح ترجمة محمد ناجي) إذ أنه بالفحص الدقيق للواقع يبدوا أن الحقيقة لا توجد بشكل منفصل عن الخطأ إنها متداخلة بنسيج من الأخطاء وتبقى مهارة العالم تكمن في كيفية انتزاع الحقيقة من هذه البراثين. يقول باشلار في كتابه le nouvel esprit scientifique » « : "لا يمكن تشكيل معرفة علمية صحيحة إلا على أنقاض المعرفة الخاطئة" وهذا هو أكبر دليل على شراسة الصراع ضد الخطأ من أجل التوصل إلى الحقيقة، وبالتالي إحداث القطائع الإبستمولوجية الجديدة.
2- اعتبار المعرفة العلمية معرفة غير حدسية، لأنها لا تنتج عن طريق الحواس والحدوس. بل إن المعرفة العلمية تنبني على التجربة والممارسة واستخدام آليات القياس العلمي، فالحدس إذن قد يشكل مرحلة أولى في المعرفة العلمية والتي ينبغي التخلص والتخلي عنها بعد ذلك.
3- رفض لكل الأيديولوجيات والأنماط المعرفية التي تأتي من الفوق، من خارج الواقع، لأن فهم الواقع لن يتم عند باشلار، إلا من خلال الواقع ذاته، هذا الأخير الذي يتحرك طبقا لمنطقه الخاص وقوانينه الداخلية، كما ينبغي أن يتم التعامل مع هذا المنطق الخاص، وتلك القوانين، داخل الواقع الحاضر وليس الماضي.

3- لماذا إنتقد باشلار الفلاسفة؟ 

وعموما، فإن النقد اللاذع الذي يوجهه غاستون باشلار إلى الفلاسفة يبدوا بشكل أكثر وضوحا، حينما يعتبر الفلاسفة غير مهتمين بالتطورات العلمية الصعبة. بل إنهم يظلون متمسكين بحلول فلسفية قديمة وبمشاكل علمية بالية، ناسين أن هذه الحلول المنبجسة من إشكالات سابقة ومذاهب ثابتة قد تجاوزتها الثورات العلمية المعاصرة إلى غير رجعة.
إن صورة الفيلسوف التي رسمها باشلار ظلت طيلة حياته متميزة بطابع السخرية، بحيث أنه في الوقت الذي كانت العلوم الفيزيائية والرياضية تشهد تحولات جذرية وسريعة خلال فترة قصيرة بالقياس إلى ماضيها التاريخي، فإن الفلسفة كانت لا تزال كعادتها تنشد بشتى الأشكال والصيغ مجدها في انغلاقها على منظومة ثوابتها التقليدية.
فلماذا إذن هذه السخرية وهذا الجدال الملازمين للتفكير الإبستمولوجي عند باشلار؟ هل ذلك راجع إلى الإقرار بعدم جدوى الفلسفة في انخراطها في دراسة النظريات العلمية؟ بل كيف يمكن للخطاب الباشلاري أن يخلوا من المعرفة الفلسفية؟ 
هذه إذن أهم الإشكـــالات التي ينبغي الإجابة عنها بشكل واضح حتى يتسنى لنا تحقيق الهدف المتوخى من هذا العرض. 
عرفت الفترة التي عاشها باشلار بروزا لأفكار علمية جديدة وتغيرات جوهرية شاملة امتدت إلى الأسس والمبادئ ذاتها التي يقوم عليها هذا العلم او ذلك، إذ شهدت العلوم الفيزيائية تحولا عميقا يتضح بشكل صارخ في الثورة النسبية ثم الثورة الكوانطية وبدايات الميكرو- فيزياء هذا الأمر الذي تطلب من العلماء ليس فقط إعادة تكوينهم عدة مرات، ولكن أيضا تجديد أدواتهم المفاهيمية، وإحداث تحول دهني ونفسي في تفكيرهم. كما عرف العلم الرياضي أيضا تراكما كميا أغنى بنية النظريات الرياضية وأفضى إلى تغيير أساسي في المناهج والمفاهيم هكذا إذن فإن باشلار وجد نفسه في عالم أصيح يطبع معارفه وعلومه الجدّة والثورة والتغيير، ولعل معايشته لهذه التحولات هي التي تترجم تفكيره الإبستمولوجي الذي وجد نفسه فيه يوجه نقدا عميقا إلى تلك النظريات الفلسفية التي تدخل في باب نظرية المعرفة.
يقول باشلار في كتابه "le nouvel esprit scientifique" متحدثا عن النظرية النسبية قائلا: "وعلى هذا الأساس فليس ثمة انتقال بين نظام نيوتن ونظام إنشتاين، نحن لا نمضي من الأول إلى الثاني بتجميع المعارف ومضاعفة العناية بالقياس وبتصحيح المبادئ تصحيحا معينا. إن المسألة تقتضي على العكس من ذلك بذل جهد لتجديد شامل"، هكذا إذن كان العلم الجديد لا يمكن التفكير في إبستومولوجيا بواسطة الاستمرار المتواصل للعلم القديم. غير أن ما يبعث على الدهشة - حسب تعبير محمد هشام- هو موقف الفلسفة ونخص هنا فلسفة بداية القرن الفائت (ميرسون...) حيث ظلت متمسكة بطرقها التقليدية في التفكير باستعمالها لنفس المفاهيم والألفاظ كما كانت تفعل زمن معاصرتها للصرح الفيزيائي النيوتوني، الشيء الذي جعلها تعيش انفصاما بين خطابها المجرد وبين الخطاب العلمي.

4- أوجه الانفصام بين الخطابين العلمي والفلسفي

إذا اعتبرنا أن العلاقة من زاوية باشلار بين الفلسفة وخطاباتها المجردة من جهة والخطاب العلمي الجديد الذي يتغير بشكل مستمر ومتسارع من جهة أخرى هي علاقة انفصام فإلى ماذا يرجع هذا الجمود الفلسفي؟ 
يمكن أن نتحدث عن سببين رئيسين لهذا الجمود:
الأول: يتمثل في أن التعارض بين الخطابين لا يحدث إلا بسبب التشابه الذي بينهما. فالعلوم تعتمد نقس المفاهيم التي تعتمدها الفلسفة. غير أن الاستعمال الفلسفي لهذه المفاهيم يتميز بثقل أنطولوجي، حيث أن الكلمة الفلسفية عند الفيلسوف تنزع دائما بوعي أو بغيره إلى اعتبارها كائنا حقيقيا غير أنه في المقابل نجد استعمال العالم لنفس المفهوم مختلف، حيث يتحدد وجوده داخل منظومة من العلاقات التي يندرج فيها .
أما الثاني: فإنه يرجع إلى كون الفلسفة تصدر في تعاملها مع الممارسة العلمية عن سؤال لا يمكن لهذه الممارسة أن تقدم عليه أي جواب. ذلك أن هناك سؤالا فلسفيا يخص الممارسة العلمية يطرحه العالم بالصيغة التالية: ما هي الشروط التي تجعل من المعرفة التي أنتج معرفة علمية؟ وهو سؤال لا يمكن أن يجد جوابه الدقيق داخل العمل العلمي. أما الفلسفة فتطرح سؤالا أخر لا جواب علمي عليه وهو على الشكل التالي: ما هي الأسس التي تقوم عليها المعرفة العلمية؟ فإذا كان السؤال في الحالة الأولى يرمي إلى تحديد الشروط الموضوعية التي تكون بها المعرفة علمية حقا كما يختبرها العلماء أنفسهم، فأنه في الحالة الثانية يتجاوز مثل هذه الشروط ليبحث عن الأسس الأنطولوجية الدفينة للمعرفة. ومن هذا يتضح أن السؤال ينتج بصيغته تلك عملية تحويل واستبدال تسعى الفلسفة من ورائها إلى تنصيب نفسها: لجنة مراقبة عليا، تفلت هي نفسها من المراقبة على شروط صلاحية المعرفة. غير أن هذا التحويل لا يستقيم فلسفيا إلى عبر سلسلة من الأزواج الميتافيزيقية يحكمها في الأساس التميز بين الفكر والمادة/ الروح والعالم.
يقول باشلار 1884-1962 في المؤتمر الدولي لفلسفة العلوم بفرنسا سنة 1949"إذا تحدث فيلسوف ما عن المعرفة فإنه يريدها مباشر، حدسية. وهكذا ينتهي به الأمر إلى رفع السذاجة إلى مرتبة الفضيلة أو المنهج. ويعتقد الفلاسفة بأن اليقظة الأولى تكون سلفا، ضوءا كاملا، وأن للفكر وضوحا نظريا مسبقا. أما عندما يتحدث الفيلسوف عن التجربة، فأن الأشياء تسير هنا بسرعة، إذ أن الأمر يتعلق بتجربته هو الخاصة، لينتهي به الأمر إلى وصف رؤية شخصية للعالم، كما لو كان بإمكانها بسذاجة أن تجد المعنى الحقيقي للكون بأسره".
إن الفلسفة تعمل على إقامة نوع من التناغم- من وجهة نظر باشلار- والتناسق بين مختلف الأزواج التي تنتجها ومن هنا تحددت إحدى مهام الإبستومولوجيا الباشلارية في نقدها الجدري للفلسفات بتقويضها لهذه الثنائيات الميتافيزيقية لإبطال مفعولها النظري في تحويل الصيرورات الإبستمولوجية الحقيقية للعلوم عن مجاريها الطبيعية، بهدف ترسيخ السلطة النقدية للفلسفة. ولعل أسطع مثال عن هذه الفلسفة هو الذي تقدمه إبستمولوجيا إميل ميرسون التي لم يتوانى باشلار يوما في انتقادها والتنديد بها. 
لقد كثفت فلسفة مايرسون العلمية حول أطروحاتها الأساسية كل المزالق والعيوب المحايثة للنظرية الفلسفية في العلم لذلك نجدها شكلت هدفا مستمرا للجدال الباشلاري، ونموذجا لدراسة النقد الباشلاري للفلاسفـــة والفلسفة بشكل عــــام.


بيبليوغــــــرافيا:
Gaston Bachelard : «la philosophie du non» paris 1981 
Gaston Bachelard : «le matérialisme rationnel» 1980 paris 
Gaston Bachelard : «le nouvel esprit scientifique» (نصوص مقتطفة من الانترنت)
غاستون باشلار: "الفكر العلمي الجديد" ترجمة عادل عوا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع سنة 2002.
غاستون باشلار: "جدلية الزمن" ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 1992 الطبعة الثالثة.
محمد هشام: "تكوين مفهوم الممارسة الإبستمولوجية" إفريقيا الشرق 2006 .

الأربعاء، 2 يوليو 2014

غاستون باشلار وشعرية شارل بودلير: مارسيل شاتيل

ترجمة: سعيـد بوخليـط (المغرب)


الشاعر الفرنسي شارل بودلير

نعلم بأن باشلار في المرحلة الأخيرة من وجوده المثابر والخصب، كان قارئا مولعا بالشعراء المعاصرين. لكنه ظل، وفيا للشعراء الذين افتتن بهم خلال سنوات مراهقته، لاسيما بودلير : ((تلتهم العالم حينما تكون سعيدا. وعندما تستعيد ذاكرتك الروائح الكبيرة التي تهيئ الولائم. أتصور، وقد أضحيت بودليريا ،بأنني ألتهم الذكريات))(2).

لا يتركنا، لكي نسرف كثيرا في توظيف الماضي، فإن باشلار وهو يكتب هذه السطور خلال نهايات عمره، ظل يحلم بطفولته وذكرياتها. عبر كل هذا المقطع حول الروائح الغابرة، وأريج الطفولة، يتحدث مثل بودليري مقتنع، أو كشاعر أحيانا، ثم في الغالب كفيلسوف مرهف يرفض الغنائية، لكنه يقبل ذلك الارتجاج، الذي بدونه يبقى الأسلوب باردا: ((الروائح ! أول شهادة عن انصهارنا في العالم (...) معطف مبلل، كل طفولاتي أثناء شهر أكتوبر، وكل تلك الجرأة وأنا تلميذ، تنبعث ثانية في ذاكرتي. لقد استمرت الرائحة بين ثنايا الكلمة)) (3). فباشلار ، أولا وقبل كل شيء حالم بالكلمات.

يفكر في بودلير ، بطريقة متميزة وخاصة مقارنة مع باقي كل الشعراء الآخرين، أو يقاربه بروح أخرى مضطربة مثل باسكال. كان دائما لشاعر ديوان: أزهار الشر . هذا الإحساس بالدوامة : ((يا للحسرة ! كل شيء هاوية، فعل، رغبة، حلم، كلام ! ...)).

يعلق باشلار على بودلير، ببعض الصيغ الغريبة :(كل العناصر لها هاويتها، كل الأفكار لها لجتها. إن بودلير يضاعف باسكال )(4). هل نصدق ؟ أن الفيلسوف نفسه أصابته دوخة، أحس بها حينما صعد إلى غاية برج سهم كاتدرائية ستراسبورغ :(حصل لدي انطباع بانهيار فظيع داخلي)(5).

ميز باشلار في كتابه عن الشاعر لوتريامون، وهو يدرس المجازات والانمساخات الشعرية، بين تطابقات "محض شكلية"، كما تبلورت مع نصوص بول إلوار، ثم التطابقات البودليرية التي تميزت ب "ماديتها القوية".

لذلك، اقترح تصنيف الشعراء إلى أسرتين كبيرتين: أولئك الذين يعيشون في زمان حميمي، عمودي. ثم آخرون، يتماهون بزمان أفقي، يظل في صيرورة أبدية. ينتمي للصنف الأول بودلير ومالارميه. في حين نجد ضمن النوع الثاني شعراء أمثال لوتريامون وإلوار. لكل واحد، من هؤلاء شعريته، جدليته، ديناميته وكذا تخيله الخاص.

يمثل نيتشه بالتأكيد، لدى فيلسوف المتخيل، ذلك الهوائي ـ هنا تكمن أصالته ـ الذي لا يحتفظ من مزايا الهواء غير قوة انقباض العضلات : البرد والخلاء :(يجسد الهواء الخالص، وعيا باللحظة الحرة) (6).حر، منفتح، ومتوجه إلى المستقبل.
على النقيض، فإن أرضيا مثل بودلير، متأثر بالروائح التي تجره إلى الماضي: (روائح، أرواح، أفكار، أسرار : مجموعة كلمات من أجل تحديد عالم الذاكرة)( يكتب سارتر.

بالروائح اللطيفة أو الثقيلة، يتخلص شاعر : أزهار الشر، من الزمان والضجر، أي وضعه القاتل. تعمل الروائح على فك مرساة حلم اليقظة الشعري، بشكل أفضل من الأصوات والأشكال والألوان:(على الأقل إذا لم يتم إعادة اكتشاف ذلك ثانية، داخل سيمفونية أو لوحة بخيال فوق طبيعي).

هكذا يلعب الخيال دورا جوهريا عند بولير وباشلار. تمثل هذه القدرة عند الأول ملكة الملكات ـ وفق تعبير استعاره من إدغاربو ـ فالخيال يدرك التماثلات والتطابقات. في حين لدى باشلار ، يعطي مجالا لحلم اليقظة، المبدع والمنفتح المرتبط بالإرادة أو الذاكرة، ثم نشوة الكتابة والتكلم. سواء مع بودلير أو باشلار ، فالخيال أساسي للمبدع، للقارئ والناقد.
ألمح باشلار كثيرا إلى التطابقات البودليرية، كإشارة عن الفعل التركيبي للروح الغنائية :( فسيح مثل الليل والوضوح) (7). هذه التطابقات، قد توحد الأعلى والأدنى، اللامتناهي في الكبر باللامتناهي في الصغر، أو بشكل دقيق ضخامة أو قوة الحميمية. تخلق جدلا حيا :(فالتطابقات في أساسها، تحتضن شساعة العالم وتحولها إلى قوة لحميمية كائننا) (8).

قراءة الشعراء ـ نثرا أو قصيدة ـ توقظ فينا تطابقات صحية بين مختلف الحواس، تخول لنا التلاعب بتماثلات على آلة كاتبة. "قراءة" الرسامين أيضـا، راشل Rachel مثلا ! أية سعادة للأذن، أما شاغال Chagall ، فهو متعة حقيقية للأعيـن (9).
يدرك باشلار، كيف يتلمس ارتجاج ودوي المقاطع الفلسفية الكبرى ل بودلير

(جانب بأكمله من روحنا الليلية،تفسره أسطورة الموت التي يتم إدراكها كانطلاقة فوق الماء (...). أيضا كم هو مدهش سمو هذا المقطع الشعري عند بودلير. صورة مثيرة تذهب إلى عمق سرنا :
O mort, Vieux capitaine, il est temps ! levons l'ancre !


وكما، لو يريد منا الحلم بشكل أفضل، بخصوص هذا المقطع الشعري الكبير الذي يرفع المرساة عن الحركة الأخيرة للشاعر بودلير،يهيئ باشلار بياضـا وشاطئ صمـت، بعد الاستشهاد الذي ينهي العرض) (10).

باشلار منذهل لهاته الصورة الجديدة. مع أنها كتومة، فهي تجمع بين المتناقضات، وتخلق تآلفا بين الازدواجيات، ارتجاف ملتبس ومناخ شعري :( بالتحسر المبتسم، الذي يعيشه الشاعر، يبدو بأننا نحقق التآلف الغريب بين الحسرة والسلوى. إن قصيدة جميلة، تدفعنا للصفح عن حزن قديم جدا) (11).
نعلم بأن باشلار ابتعد عن التأويل النفساني، لكي يوصي مثلا بالتطبيق الظاهراتي ، حيث العمل على إحياء وإطالة صور الشعراء. لذا، يمكننا توخي الاحتفاظ بعمق ولغز اللاوعي، وكذا الأشياء الجميلة التي نتذكرها عن ماض بعيد وحياة سابقة، داخل الأروقة الواسعة التي تشبه المغارات البزلتية Basaltiques، ومن خلال الغسق الساحر بالقرب من البحر، يجد الشاعر ثانية حياة سابقة، وأحلاما أولية :( قبو اللاوعي ولاوعي القبو) (12).

من الضروري، أن تكون القصيدة عند بودلير انتزاعا للروح، و وتمجيدا وتساميا. مع باشلار تجعلنا نحلم، مادام أنها انبثاق وتعال للخيال، أو أيضا خلق لكائن جديد، لأكثر من كائن.
القصيدة والفن، يضيف بودلير، يعملان على انتشالنا من الوضاعة والسأم والزمان. أما باشلار، فيؤكد بأن قصيدة أو لوحة يمثلان دعوة إلى السفر وحلم اليقظة والسعادة. لكن ألم يكن ل بودلير و باشلار ، إضافة إلى كل ذلك :(توق إلى الأفكار المتناسقة بشكل صارم) (13).

لا يجب نسيان، بأن آخر صور باشلار وكذا أحلام يقظته وتأملاته كما جاءت بين طيات عمله : « شعلة قنديل » تمحورت حول حلم اليقظة الخاص :( الذي يصنع تطابقا، فوق ـ بودليري، توخيا للعيش في القمم) (14). يعمل باشلار على تمديد بودلير :( يشتغل الخيال في قمته مثل شعلة، وبين ثنايا حيز مجاز المجاز (...) علينا التنقيب عن سر الطاقات الفجائية) (15).

صور النار مهمة عند باشلار، بقدر كذلك أهمية صور الماء، ليس بمتناقضين. لقد حاول الشعراء المماثلة بينهما :( كل شعلة، هي نار مبللة) يكتب جوبير. وجاء في قولة شعرية ل أوكتـافيـوبات :( شجرة صفصاف ناريـة، نافورة ماء ) (16).
لاحظ هنري لوميتر، بأن كلمة "روح" تشكل إحدى الكلمات المفاتيح للشعرية والنقد البودليرين. وقد سعى باشلار، في أعماله الأخيرة، رد الاعتبار لكلمـة روح :(القصيدة التزام للروح) (17).
بقدر، ما قد يظهر غريبا ومتهورا، هذا الإقرار. فيمكننا القول بأن القصيدة عند باشلار وبودلير ، عبارة عن صلاة :( لأنه في حقيقة الأمر، كل شيء يصلي انطلاقا من الموقع الذي يشغله داخل الطبيعة، وينشد مديحا للنسق الإلهي حيث ينتمي، مديح روحي وعقلي، وفيزيائي أو حسي) (18).
يحاكي فيلسوف الخيال المنفتح، فيلسوف الأفلاطونية الجديدة :( شعلة الحياة والكائن الذي يزهر، هي نزوع نحو عالم النور الخالص) (19).

-------------------
هوامــش :


1- Marcel Schaettel : Bachelard et Baudelaire, Bulletin des Amis de Gaston Bachelard. N° 8, , pp. 90/95.
2- Gaston Bachelard : La Poétique de la rêverie, P. 123.
3- Ibid, Page 118/119.
4- Gaston Bachelard : La Terre et les rêveries de la volonté, Page 352.
5- Ibid, Page 344.
6- Gaston Bachelard : l’air et les songes, pages 158.
7- درس باشلار، التغيرات التي تعرفها كلمة « Vaste » في النص البودليري. أنظر بهذا الشأن كتابه : « La poétique de l'espace »، ص 174/181.
8- Gaston Bachelard : la poétique de l’espace, P173.
9- Introduction à la bible de chagall (Verve n° 37/38- 1960).
10- Gaston Bachelard : l’eau et les rêves, P 103.
11- Gaston Bachelard : la poétique de la rêverie, p.99.
12- Gaston Bachelard : La terre et les rêveries du repos. P204/205.
13- Gaston Bachelard : La flamme d’une chandelle, P.111.
14- Ibid, Page 85.
15- Gaston Bachelard : La psychanalyse du feu, PP 215/216.
16- Gaston Bachelard : La flamme d’une chandelle, P. 23.
17- Gaston Bachelard : La poétique de l’espace, P. 5.
18- يستشهد باشلار بذلك على ضوء هنري كوربان.
19- Gaston Bachelard : La flamme d’une chandelle, P.86.


الثلاثاء، 1 يوليو 2014

الزمن عند باشلار : رضا عزوز

ترجمةسعيد بوخليط


إذا أردنا تحديد الصلة بين الواقع والممكن، يمكن أن نباشر ذلك بطريقتين مختلفتين: إما أن نعتبر أن الممكن يتقدم الواقع وبأن هذا الأخير تحقق للممكن، أو نعتبر الممكن كصورة رجعية للواقع، "إذن فالواقع هو الذي يقوم كممكن، وليس الممكن هو الذي أصبح واقعيا"[i].
في الحالة الأولى، يكون الواقع تجسيدا لفكرة: "تأكيد إمكانية يظهر كسابق على تأكيد حقيقة. فالممكن هو الإطار الماقبلي للواقع"


[2]. في الحالة الثانية، يكون "المفعول المركب للحقيقة التي ظهرت مرة ثم المآل الذي يلقي بها إلى الوراء"[3]. الممكن يحتوي على أكثر من الواقع ما دام أنه يفترض الواقع زيادة على فعل للفكر يلقي به إلى الوراء.
هاتين الطريقتين لتعريف الصلة بين الواقع والممكن هما على التوالي تلك التي لباشلار ثم برجسون. وتشكلان قضية فلسفية ذات أهمية كبرى. وهي قضية ليس لها فقط فائدة محض نظرية. بل لها كرهان التاريخ باعتباره صيرورة محتملة. وهي صيرورة، إذا كانت تفترض الحداثة الأساسية للحظات، وإذا كانت تقوم على مبدإ الطارئ l’accidentel، فأي صلة يمكن إقامتها بين الواقع والممكن بالنسبة للفكر التاريخي؟
من أجل التفكير في العلاقة بين الواقع والممكن داخل المعرفة العلمية، فإنه يمكن أن نحيل إلى مؤلف باشلار: La valeur inductive de la relativité حيث، بالنسبة إليه، تجعل النسبية La relativité من "الممكن نسقا، بل عندنا الانطباع أن النسبي يذهب بعيدا أكثر وهو مأخوذ بواقعية أفلاطونية حقيقية للممكن. ويميل إلى أن يختص العنصر بتنظيم للممكن غني ومنسجم"[4]. الواقع يخضع للممكن. إنه بناء متخيل للممكن. والحقيقة هي منظور لهذه الإمكانية المشيدة والمنظمة. إذن يمكننا فهم الواقع دون نسق للعلاقة. والتجريب هو تحقق لهذه الإمكانية المرتبة جدا.
إذن فالواقع يظهر عند نهاية تشييد ويمكن فصله عن الحركة التي تؤسسه: "الواقع تتم البرهنة عليه ولا يظهر".
هذا التأسيس انطلاقا من إمكانية مرتبة يعطي للفكر العلمي خاصية جمالية أكيدة. وفي الواقع، فللفكر التركيبي دائما خاصية جمالية تذهب النسبية عكس التجريبية والواقعية. إنها لا تنحصر عند مستوى الإدراك، وتستبدله بالمفهوم. على العكس من الواقعية، فإنها لا تجيب عن سؤال: "أين الواقع؟ لكن فقط عن سؤال: في أي اتجاه وبأي تنظيم للفكر يمكننا أن نعرف الأمان حين نقترب الواقع؟"[5]. إذن فإن فلسفة للعلاقة، والتي تدرس تطور المعرفة العلمية تفترض بأن الواقع يخضع للممكن. لكن ألا نجازف بإبطال كل حقيقة وجعل منها وهما؟
بالعكس من ذلك، بالنسبة لباشلار فإن "الديمومة مثل الجوهر La substance لا تبعث لنا إلا أوهاما. بل إن الديمومة والجوهر يلعب الواحد منهما بناء على الآخر من خلال تقابل يائس، حكاية الخادع المخدوع. فالصيرورة هي ظاهرة الجوهر، كما أن الجوهر هو ظاهرة الصيرورة"[6].
إذن فالجوهر نظام، نسيج علاقة، الجوهر ليس إلا "بنية من الصفات". والبنية الحقيقية للجوهر تتناول انطلاقا من مبادئ "الإمكان" أو La compossibilité.
إذا كان الجوهر غير منفصل عن نظام، فإن كل نظام يفترض الزمان. والخطاب حول الكائن هو خطاب في الزمان. لأن هذا الأخير يفترض صلة الواحد بالآخر. كما أنه لا يمكننا تناول الزمان دون ربط الوحدة بالتعدد وكذا العكس. لذلك يقوم الزمان على تعدد للأنظمة، وكذا تعدد للممكنات، هكذا يحدد الممكن الواقع، كما يحدد نظام الزمان الكائن.
هذه الصلة الضيقة بين الكائن والزمان، تعطي للكائن إيقاعات مختلفة والذي يعطي المكان لأنتروبولوجيا وكذا علاجية. فإذا كانت السعادة ترتكز على استعمال كل لحظات الزمان وكذا المساهمة في الساعة الكاملة والتي تتأتى من مجموع أفعال المبدع، فإن الحركة العلاجية تتجه إلى تحديد الإيقاع الذي نحن في حاجة إليه. العلاجية تحدد الاهتزاز، والذي لنا أن نثيره أو نهدئه، "إذن فالجوهر ليس إلا مناسبة لصيرورة، والماهية الخالصة ليست إلا زمنا جد مهتز"[7].
ما هو رهان هذا النقد لميتافيزيقا الجوهر؟ وهو نقد ليس له فقط خاصية سجالية، بل له كرهان التاريخ. لكن التاريخ يفترض ثنائية الواقع والمثال، فأحداث التاريخ تتأسس كنتيجة للتأرجح بين الواقع والمثال، الإنسان يعاني قدر عدم تمكنه من أمثلة idéaliser ما تم تحقيقه ولا تجسيد ما هو مثالي idéal. هذا التأرجح يتأتى من كون الكائن صيرورة إلا أنها ذات ثغرات ومضطربة. إنها تعدد للإيقاعات. وحدها العادة تعطينا استمرارية في الوجود، وذلك بتنسيق أفعالنا داخل منظور المستقبل. فبالعادة يكون "نظام الصيرورة مباشرة صيرورة نظام"[8]. العادة هي الاسترجاع اللانهائي، التكرار الأبدي الذي يعيد تجديد وجودنا وتطويره. بالتأكيد، فإن المثالي يضمن الاستمرارية. لكن الواقع هو انفصال للمحاولات، استئناف. إذا كانت فلسفة باشلار فلسفة للتاريخ فذلك لأنها فلسفة للفعل المبدع وللتكرار. هكذا فإن الماضي استدعاء للتقدم. وفلسفة التاريخ هي فلسفة الحياة التي تتجدد وكذا الفكر الذي يتطور.
بالنسبة لباشلار، يمكن المثالي من التطور ويضمن تجدد الفكر، وكذا القلب[9] هو الذي يسند العقل ويكفل وحدة الكائن، "القلب الصادق هو دائما نفسه"، إنه يحقق تآلف الزمان والخلود الذي لا يكتسب إلا من خلال التألم والتجاوز. إذن فالعشق "كمنقذ إلاهي […] يعطينا في نفس الإشارة السعادة والعقل وكذا وسيلة البقاء أبديا بالحقيقة والصلاح"[10]. هكذا فالعشق بالنسبة لباشلار ليس أي انفعال، بل هو حقيقة الكائن ما دام أنه مرتبط بالتاريخ كتكرار، وكإعادة أبدية.
لكن كيف للفلسفة أن تحافظ على هذه الثنائية التي هي الواقع والمثال؟ فمنذ القديم حاول الفيلسوف الإبقاء على هذه الثنائية وذلك باستعمال طرق مختلفة. الأولى هي التهكم: نعلن عن ما يجب فعله ثم التقاعس عن الاعتقاد بأنه يوجد. الثانية هي الدعابة: حيث نصف ما هو موجود مع عدم العمل بالاعتقاد أنه حقا ما يجب أن يكون. أعتقد بأن عمل باشلار يمزج بين الطريقتين، محاولا الوصول إلى هذا الزمان غير المتواصل والطارئ والذي هو شرط الصيرورة التاريخية وسر العشق. فلسفة التاريخ هي فلسفة للتهكم والدعابة.
من أجل إيضاح التهكم الباشلاري، يمكننا إعطاء نماذج متعددة، مثل هذا الاستشهاد المأخوذ من كتابه: الأرض والتأملات الشاردة للراحة "La terre et les rêveries du repos": "حقا الخمر عام، يصبح مفردا إذا وجد في المقابل فيلسوفا يعرف شربه"[11]؛ أو أيضا هذا المفهوم للمنافسة المدرسية: "أن تكون الأول، أي امتياز دوكاسي Ducassien: يظهر خلفه للآخرين"[12]. باشلار لا يمتنع أبدا عن "السعادة الشيطانية" وذلك باقتراح إسهابات من نوع "كل جسم يغطس في سائل يختبر من الأدنى إلى الأعلى ضغطا يساوي وزن السائل المنقول. إنه قانون لنفس طريقة هذا التأكيد: إذا غطست الأصابع في الحلق، فإني أحس بالغثيان"[13] معتبرا القسوة كـ"الذهان المهني للأستاذ"، فإنه لا يتردد في أن يكتب: "ليس هناك تربية رياضية mathématique دون نوع من رداءة العقل. هل هناك من سخرية أكثر تباثا وسرعة وكذا رعبا من سخرية أستاذ الرياضيات؟ متربص في زاوية من القسم، مثل العنكبوت في ركنها، إنه يترقب"[14]. هذه السخرية الباشلارية تظهر بالفعل أن العلم في حداثته هو حدث للعقل، إنه يتوقف على فعل خالص، والذي "يهجم" على مسألة، ويعيد تنظيم معرفة سابقة. حينئذ "ذكاء حي مشبع بنظرة ثاقبة وبأقوال حية"[15]. إذا كان تاريخ العلوم المزدحم بالأحداث والتي أقامت إعادة تنظيم جديد للمعرفة أو للتجربة، فذلك لأن الذكاء الإنساني يعتبر عنصر مفاجأة "الذكاء مخلب والذي يهشم وهو يخدش"[16]g



[i] - هنري برجسون، الفكر والمتحرك، ص115.
[2] - غاستون باشلار، القيمة الاستقرائية للنسبية، ص81.
[3] - هنري برجسون، مرجع سابق، ص112.
[4] - غاستون باشلار: القيمة الاستراقية للنسبية، ص82.
[5] - نفسه، ص20.
[6] - غاستون باشلار: حدس اللحظة، ص74.
[7] - غاستون باشلار: جدلية الزمن، ص136.
[8] - غاستون باشلار: حدس اللحظة، ص74.
[9] - على الأقل وجهة النظر هاته، هل تم التعبير عنها في حدس اللحظة؟
[10] - نفسه، ص95.
[11] - غاستون باشلار: الأرض والتأملات الشاردة للراحة،  ص332.
[12] - غاستون باشلار: لوتريامون، ص61/62.
[13] - غاستون باشلار، العقلانية المطبقة، ص178.
[14] - غاستون باشلار، لوتريامون، ص92.
[15] - غاستون باشلار: لوتريامون، ص146.
[16] - نفسه، ص146.